الشيخ محمد رشيد رضا
443
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويعمل السوء باختياره غير مغلوب على أمره ، وهو يظن أنه عمل ما فيه الخير والنفع لنفسه ، كاللص يعلم أن السرقة محرمة ولكنه لا يعلم أن العقاب عليها حتم لأن عنده احتمالات من العلم الناقص تشككه فيما ورد من وعيد السارق ، كشفاعة الشفعاء من المشايخ والجيران الصالحين ، وكاحتمال العفو والمغفرة ، وكالمكفرات ، فإذا عرض له شئ يسرقه وتذكر الوعيد على السرقة ينتصب في ذهنه ميزان الترجيح بين الانتفاع العاجل بما يسرقه والعقاب الآجل على هذه المعصية فإذا عرض له الشك في العقاب رجحت كفة داعية السرقة لأن الانتفاع بالمسروق يقيني والعقاب عليه مشكوك فيه . وهكذا شأن الانسان في جميع الأعمال الاختيارية لا يمكن أن يأتي شيئا منها إلا إذا كان يعتقد نفعه له ورجحانه على مقابله إن خطر في باله المقابل ، فعلم من هذا أن عمل السوء لا يمكن أن يصدر من الانسان إلا مع التلبس بالجهل ؛ وعدم إقامة الميزان بالقسط في الترجيح بين الفعل والترك ، فهو لا يرتكب المعصية إلا جهلا بحقيقة الوعيد أو متأولا له بمثل ما أشرنا اليه من انتظار الشفاعة والمغفرة ، أو مغلوبا بشهوة أو بغضب فإذا زالت الجهالة عن قريب فتاب كانت توبته مقبولة حتما واختلفوا في الزمن القريب فعن ابن عباس وغيره هو أن يتوب في حال الصحة والأمل في الحياة ، وعن ابن جرير هو أن يتوب وهو مدرك يعقل ، وأشهر الأقوال : أن يتوب قبل الغرغرة . ثم قال ما مثاله مع بسط وإيضاح : إن من كان قوى الايمان بحيث لا تقع المعصية منه إلا عن بادرة غضب أو شهوة ، أو جهل بأنها معصية تستوجب العقوبة ، فهو من أولئك الذين لا يقع منهم عمل السوء الا هفوة بعد هفوة ، ولا يلبثون أن يبادروا إلى التوبة ولذلك ذكر السوء مفردا وقال فيمن لا تقبل توبتهم « يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ » بالجمع ، فأشعرنا أن التوبة انما تقبل حتما ممن تقع الذنوب منهم افذاذا ، ويلم واحدهم بها الماما ، ولكنه لا بصر عليها ، بل يبادر إلى التوبة منها ، ثم قد يطوف به بعد التوبة طائف آخر من الشيطان ، فيعود ثانية إلى العصيان ، ويتبعه التوبة والاحسان . فلا تتمكن من نفسه ظلمة المعصية ، ولا تحيط به الخطيئة ، فالصواب أن يفسر قوله تعالى « مِنْ قَرِيبٍ » بالقرب من زمن الذنب وهو المتبادر من اللفظ عند أهل اللغة والمذنب التائب أحد رجلين : رجل عارف بتحريم الذنب ولكن تلم به تلك